المقريزي
143
المقفى الكبير
ثم سار على العساكر من مصر وخرجت معه عساكر الشام إلى أياس « 1 » كرسيّ مملكة سيس فنازلها وقاتل أهلها برّا وبحرا ونصب عليها المجانيق حتى أخذها من الأرمن عنوة في حادي عشرين ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين ، فوجد فيها ألفا وثمانمائة نول قزازة « 2 » وضمانها في كلّ يوم ألف دينار ، فحاز العسكر فيها مالا كبيرا ، وخرّب برجها وكان في غاية المنعة . ثم [ أ ] غاروا على بلاد تكفور « 3 » وغنموا مالا عظيما وعادوا إلى بلادهم ، وقدم الأمير آقوش إلى القاهرة . ثم خرج في ثاني صفر سنة اثنتين وعشرين ، ومعه من الأمراء سنجر الجمقدار ، وألماس الحاجب ، وطرجي أمير مجلس ، وأصلم السلاح دار ، ومضى فيهم على عسكر لغزو سيس ، فسار إلى دمشق ، وخرجت معه عساكر بلاد الشام ، فأغار على بلاد سيس وخرّب وغنم وقتل ، وعاد في سابع عشرين جمادى الآخرة ، فخلع عليه ، وشكره السلطان على ما كان منه . ثم ولّاه نظر المارستان المنصوريّ بعد القبض على كريم الدين الكبير عوضا عنه في ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين ، فوجد فيه حاصلا أربعمائة ألف درهم وسكّرا وغيره من الأصناف بمائة ألف درهم ، فلم يتعرّض للمال . واستجدّ قاعة بالمارستان للمرضى ، ونحت [ 210 ب ] جميع حجارة المارستان ، والمدرسة والقبّة داخلا وخارجا وعلوّا وسفلا ، وأعاد ذهب الطّراز المكتوب حتّى عاد كأنه جديد . وعمل خيمة طولها مائة ذراع تظلّ الأقفاص التي يباع بها خارج المارستان من الشمس وأحكمها بأطناب فيما بين أوّل جدار القبّة والمدرسة وبأعلى جدار المدرسة تجاه الصالحيّة ، وكانت باعة الأقفاص تتضرّر من حرّ الشمس فزال عنهم ذلك « 4 » . وقام بمصروف هذا كلّه من ماله دون مال الوقف . وكان يكشف أحوال المجانين ويدخل بهم إلى الحمّام ويكسوهم الثياب ، وأحضر لهم يوما جماعة فغنّوهم ورقصوا على الغناء . وكان يبرّ مباشري المارستان من ماله ويطلع في الليل إلى المئذنة ليتفقّد المؤذّنين . وكان للمارستان به حرمة وافرة لا يجسر أحد أن يرمي على سكّان أوقافه شيئا من بضائع السلطان ولا يتعرّض لهم بسوء . وخرج أمير ركب الحاجّ في سنة سبع وعشرين فحجّ بالناس ، وعاد في خامس عشرين المحرّم سنة ثمان وعشرين . ثمّ خرج في أوّل سنة أربع وثلاثين إلى نيابة طرابلس عوضا عن [ قرطاي ] ، وسبب ذلك ميله إلى الأمير ألماس الحاجب كما ذكر في ترجمته « 5 » ، وقوّة نفسه ، ووفور حرمته بحيث إنّ السلطان يقوم له كلّما دخل إلى الخدمة ، مع معارضة السلطان في أغراض له . ثمّ أخذ في إنكار ظلم النشو ناظر الخاصّ والغضّ منه ، فأراد السلطان إزاحته عنه فطلب أستداره عزّ الدين المصريّ وحمّله إليه رسالة تتضمّن أنّ السلطان كثر حياؤه منه لكبر سنّه ، وأنّه ما بقي يليق به المشي
--> ( 1 ) السلوك 2 / 229 . وأياس هي ميناء مملكة أرمينية الصغرى على مصبّ نهر جيحان في خليج إسكندرونة ( دائرة المعارف الإسلاميّة 1 / 802 أ ، وتاريخ ابن قاضي شهبة 2 / 198 ) . ( 2 ) نول قزازة : لعلّه منسج حرير . ( 3 ) تكفور : ملك في لغة الأرمن ، وعمّمها المؤرّخون العرب على ملوك سيس وأرمينية الصغرى وحتى أباطرة القسطنطينيّة ( دوزي ) . وانظر السلوك 1 / 511 ه 3 . ( 4 ) ذكر المقريزي هذه الإصلاحات في الخطط 2 / 407 . ( 5 ) ترجمة ألماس الحاجب تأتي بعد هذه : 2 / 166 رقم 840 ( ت 734 ) ويقول المقريزي فيها والعادة أن الأمراء لا يخالط الواحد منهم الآخر .